محمد محمد أبو موسى
292
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
تخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع فعطفها ب « ثم » على الآية الأولى للدلالة على مباينتها لها فضلا ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية فهو من التراخي في الحال والمنزلة لا من التراخي في الوجود » « 151 » . ومثله ما ذكره في قوله تعالى : « وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ » « 152 » فقد قال : « ومعنى « ثم » : بعد ما بين الأمرين قضاء الأمر وعدم الانظار ، وجعل عدم الانظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة » « 153 » . أما « الفاء » فان أحسن مواقعها ما تدل فيه على المفاجأة . ولقد لحظ الزمخشري هذا وقال في قوله تعالى : « فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ » « 154 » : « هذه المفاجأة بالاحتجاج والالزام حسنة رائعة وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول ، ونحوها قوله تعالى : « يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ ، فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ » « 155 » ، وقول القائل : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا * ثم القفول فقد جئنا خراسان « 156 » ويكرر هذا الكلام في هذه « الفاء » ويضيف اليه تحليلا نحويا بين فيه حقيقتها ، يقول في قوله تعالى : « لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ ، فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ » « 157 » : « فان قلت : ما هذه « الفاء » وما حقيقتها ؟ قلت : هي التي في قوله : فقد جئنا خراسانا ، وحقيقتها أنها جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قال : ان صح ما قلتم من أن خراسان
--> ( 151 ) الكشاف ج 4 ص 88 . ( 152 ) الأنعام : 8 . ( 153 ) الكشاف ج 2 ص 5 . ( 154 ) الفرقان : 19 . ( 155 ) المائدة : 19 . ( 156 ) الكشاف ج 3 ص 214 . ( 157 ) الروم : 56 .